أصدرت شبكة EWTN الإخبارية وثائقياً جديداً وثائقي يسلط الضوء على المسيحية في الجزائر، ويستكشف جذورها التاريخية العميقة، والتحديات التي يواجهها المسيحيون في بلد ذي أغلبية مسلمة، وشهادة الإيمان الهادئة والمرنة للمسيحيين هناك.
يأخذ الوثائقي، «المسيحية في الجزائر: السير على حبل مشدود»، الذي أنتجه الصحفي كولم فلين، المشاهدين في رحلة من عنابة إلى قسنطينة ووهران والجزائر العاصمة، ليروي قصة المسيحية من خلال الناس والأماكن وواقع الحياة اليومية في البلاد.
يُفتتح الفيلم على وقع أصوات الترانيم وأجراس الكنائس، موثقاً ما يسميه «لحظات نادرة» من قداس السيامة الأسقفية وتنصيب ميشيل غيو أسقفاً جديداً لأبرشية قسنطينة في نهاية عام 2025. أقيمت المراسم في بازيليك القديس أغسطينوس، التي تقف بشموخ فوق الموقع الأثري لهيبون في عنابة، بحضور مؤمنين مسيحيين وأئمة مسلمين.

القديس أغسطينوس: حضور حي
يأخذ الوثائقي المشاهدين إلى البقايا الأثرية لهيبون القديمة، التي لها جذور مسيحية تعود إلى القرن الثاني، وازدهرت كواحدة من أهم المدن المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، خاصة خلال فترة أسقفها القديس أغسطينوس (354-430). لا تزال آثار هيبون المسيحية وتراثها موضوعاً للبحث والتنقيب من قبل الجامعات الجزائرية.
يسلط الفيلم الضوء أيضاً على جمال بازيليك القديس أغسطينوس، التي بُنيت في أوائل القرن العشرين كمكان للصلاة للحجاج الأوروبيين المسافرين إلى القدس. تمزج هندستها المعمارية بين الأساليب الأوروبية والمحلية، بينما تروي نوافذها الزجاجية الملونة حياة القديس أغسطينوس بتفاصيل حية.
في الوقت نفسه، يشير الوثائقي إلى غياب الجزائريين بين الرهبان الأوغسطينيين الثلاثة الذين يخدمون البازيليك حالياً - وبشكل أوسع ضمن رجال الدين في الجزائر - وهو انعكاس لندرة الدعوات في بلد يشكل فيه المسلمون حوالي 98% من السكان.


حوار مستمر
خلال زيارة إلى مسجد أبي مروان الشريف في عنابة، تحدث الإمام عن أهمية الحوار ونبذ التطرف، واصفاً الموقع - الذي كان يوماً مكاناً لصلاة القديس أغسطينوس - بأنه رمز للقاء المستمر بين أتباع الديانات المختلفة.
يبرز مسجد الأمير عبد القادر في قسنطينة، وهو أحد أكبر مساجد أفريقيا، بشكل لافت بفضل هندسته المعمارية المذهلة.

تحديات وقيود
يوضح غيو في الوثائقي أن أبرشيات الجزائر تعاني من تشتت جغرافي واسع، حيث تفصل مسافات تقارب 100 كيلومتر (أكثر بقليل من 62 ميلاً) بين بعض المجتمعات، بالإضافة إلى التنوع الثقافي واللغوي بين المؤمنين، الذين يعد الكثير منهم طلاباً أو عمالاً من دول أفريقية مختلفة.
خارج عدد صغير من الكنائس، لا توجد سوى مبانٍ كنسية قليلة مخصصة بالمعنى التقليدي، وتجتمع العديد من المجتمعات للصلاة في غرف مهيأة. وبسبب نقص الكهنة، قد لا يُحتفل بالقداس سوى مرتين في الشهر في بعض الأماكن.
نظراً لتجريم التبشير، تؤكد الكنيسة في الجزائر أنها لا تسعى لتحويل الآخرين. يقول غيو: «نحن هنا لدعم المؤمنين المسيحيين وبناء جسور الأخوة بين المسلمين والمسيحيين»، مؤكداً أن الإنجيل يُعلن من خلال الأعمال الصالحة، وخدمة المرضى والفقراء، وشهادة الإيمان المعاشة.
بينما تحترم البلاد حرية المعتقد ولا تجرم الردة عن الإسلام، غالباً ما يواجه المتحولون إلى المسيحية ضغوطاً اجتماعية ومضايقات. ولهذا السبب، لم يتمكن فريق الوثائقي من تأمين مقابلة مع متحولين جزائريين رغبوا في البقاء مجهولي الهوية، رغم التأكيدات بحماية هوياتهم.
أحد الاستثناءات هو كريم كاكار، رجل في الثلاثينيات من عمره، وافق على التحدث أمام الكاميرا وشارك تجربته في اعتناق المسيحية باعتبارها «نعمة من الله»، مستذكراً الرفض الاجتماعي وضغوط العائلة التي واجهها هو وآخرون مثله.

شهود الإيمان
في وهران، ثاني أكبر مدينة في الجزائر، تم تحويل كاتدرائية القلب المقدس السابقة، التي كانت يوماً واحدة من أبرز المعالم المسيحية في المدينة، إلى مكتبة عامة، على الرغم من أن تمثالاً شاهقاً للعذراء مريم لا يزال يذكر بالماضي المسيحي للمدينة.
في أماكن أخرى، تستمر شهادات الإيمان. في دير راهبات المحبة الصغيرات، تعتني الراهبات بالعشرات من الرجال والنساء المسنين، ومعظمهم من المسلمين. حتى أن مسجداً صغيراً يقع داخل أراضي الدير لخدمتهم.
يستعرض الوثائقي أيضاً الأسقف دافيدي كارارو، الذي يتحدث عن صمود الكنيسة في الجزائر. وهو يخدم كأسقف لوهران خلفاً لسلفه بيير كلافيري، الذي اغتاله متطرفون إسلاميون عام 1996.
يتأمل كارارو في كيفية مساعدة وجود حوالي 300 مؤمن فيما يسميه «كنيسة مستمعة»، محاطين بملايين المسلمين، للمسيحيين على تعميق إيمانهم.
في الجزائر العاصمة، تشهد الراهبات الأوغسطينيات من خلال عملهن في تمريض المرضى في المستشفيات. لقد اخترن عدم مغادرة البلاد خلال أحلك لحظاتها، وواصلن خدمتهن حتى بعد فقدان اثنتين من راهباتهن بسبب العنف.


«العشرية السوداء»
يستذكر الوثائقي أيضاً تجربة الجزائر المؤلمة مع عنف المتطرفين خلال التسعينيات، المعروفة بـ «العشرية السوداء»، عندما قُتل ما يقرب من 200,000 مدني، بمن فيهم رجال دين مسيحيون ومسلمون على حد سواء. ويشير إلى جهود الحكومة لتفكيك الجماعات المتطرفة وتصميمها على منع عودتها.

«أسقف كل الجزائريين»
يقول الكاردينال جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر، إنه لا يرى نفسه أسقفاً للمسيحيين وحدهم بل لكل الجزائريين. وأكد أن الكنيسة لا تسعى لتحويل الأغلبية المسلمة بل «لإظهار للعالم أننا نعبد الإله نفسه ويمكننا أن نكون إخوة وأخوات».

تجربة ملهمة
من جانبه، وصف فلين تجربته في العمل على الوثائقي في الجزائر بأنها ملهمة ومتواضعة في آن واحد.
وفي حديثه إلى ACI MENA، الخدمة الشقيقة باللغة العربية لشبكة EWTN الإخبارية، قال إن ذلك جعله يدرك «مدى بساطة ممارستنا لإيماننا في بلداننا، مقارنة بالجهد الكبير المطلوب للقيام بالشيء نفسه هناك». وأشاد بالتزام الكنيسة الكاثوليكية بالحفاظ على حضورها وشهادتها في الجزائر.
يمكن مشاهدة الوثائقي هنا:
هذه القصة كانت نُشر لأول مرة بواسطة ACI MENA, ، الخدمة الشقيقة باللغة العربية لشبكة EWTN الإخبارية، وقد تمت ترجمته وتكييفه لصالح EWTN News باللغة الإنجليزية.
https://www.ewtnnews.com/world/africa/new-ewtn-documentary-explores-christianity-in-algeria
